الخطيب الشربيني

435

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

قالَ نُوحٌ أي : بعد رفقه بهم ولينه لهم : رَبِّ أي : أيها المحسن إليّ المدبر لي المتولي لجميع أمري إِنَّهُمْ أي : قومي الذين دعوتهم إليك مع صبري عليهم ألف سنة إلا خمسين عاما عَصَوْنِي أي : فيما أمرتهم به ودعوتهم إليه ، فأبوا أن يجيبوا دعوتي وشردوا عني أشدّ شراد ، وخالفوني أقبح مخالفة . وَاتَّبَعُوا أي : بغاية جهدهم نظرا إلى المظنون العاجل مَنْ أي : رؤساءهم البطرين بأموالهم المغترين بولدانهم ، وفسرهم بقوله تعالى : لَمْ يَزِدْهُ أي : شيئا من الأشياء مالُهُ أي : كثرته وَوَلَدُهُ كذلك إِلَّا خَساراً أي : بالبعد من الله تعالى في الدنيا والآخرة ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح الواوين واللام ، والباقون بضم الواو الثانية وإسكان اللام . وَمَكَرُوا أي : هؤلاء الرؤساء في تنفير الناس عني مَكْراً وزاده تأكيدا بصيغة هي النهاية في المبالغة بقوله : كُبَّاراً فإنه أبلغ من كبار المخفف الأبلغ من كبير ، واختلفوا في معنى مكرهم فقال ابن عباس : قالوا قولا عظيما . وقال الضحاك : افتروا على الله تعالى وكذبوا رسله . وقيل : منع الرؤساء أتباعهم عن الإيمان بنوح عليه السلام ، فلم يدعوا أحدا منهم بذلك المكر يتبعه وحرشوهم على قتله . وَقالُوا أي : لهم لا تَذَرُنَّ أي : تتركن آلِهَتَكُمْ أي : عبادتها على حالة من الحالات لا قبيحة ولا حسنة ، وأضافوها إليهم تحبيبا فيها ثم خصوا بالتسمية زيادة في الحث وتصريحا بالمقصود ، فقالوا مكرّرين اليمين والعامل تأكيدا : وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا قرأ نافع بضم الواو والباقون بفتحها ، وأنشدوا بالوجهين قول الشاعر « 1 » : حيال وودّ من هداك لقيته * وحرض بأعلى ذي فضالة مسجد وقال القرطبي : قال الليث : ودّا بفتح الواو : صنم كان لقوم نوح ، وودّا بالضم : صنم لقريش وبه سمي عمرو بن ود . وفي الصحاح والودّ بالفتح : الوتد في لغة أهل نجد ، كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في الدال ا . ه . ثم أعادوا النفي تأكيدا فقالوا : وَلا سُواعاً وأكدوا هذا التأكيد وأبلغوا فيه فقالوا : وَلا يَغُوثَ . ولما بلغ التأكيد نهايته وعلم أنّ القصد النهي عن كل فرد فرد لا عن المجموع تركوا التأكيد في قولهم : وَيَعُوقَ وَنَسْراً للعلم بإرادته . واختلف المفسرون في هذه الأسماء فقال ابن عباس وغيره : هي أصنام وصور كان قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها العرب ، وهذا قول الجمهور ، وقيل : إنها للعرب لم يعبدها غيرهم ، وكانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم فلذلك خصوها بالذكر بعد قولهم : لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وقال عروة بن الزبير : اشتكى آدم عليه السلام وعنده بنوه ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، وكان ودّ أكبرهم وأبرّهم به . قال محمد بن كعب : كان لآدم عليه السلام خمسة بنين : ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، وكانوا عبادا ، فمات رجل منهم فحزنوا عليه فقال الشيطان : أنا أصوّر لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه ، قالوا : افعل ، فصوّره في المسجد من صفر ورصاص ، ثم مات آخر فصوّره حتى ماتوا كلهم وصوّرهم وتناقصت الأشياء كما تناقصت اليوم إلى أن تركوا عبادة الله تعالى بعد حين ، فقال

--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .